
مَرجان عروس سريالية بخمار كلاسيكي أنيق
قراءة نقدية لرواية مَرجان للكاتبة جيهان الزهيري
بقلم منى عبد اللطيف
قبل أن ابدأ في الحديث عن مَرجان سأقص عليكم قصة البعض يؤمن بها والبعض يراها كأسطورة أو منظور آخر نزح عن ناموس الاعتقاد…
يُعتبر الطاووس عند الإيزيدية ملك له قدسيته، ويقع في روايتهم لقصة خلق آدم عليه السلام محل الشيطان في رواية الكتب السماوية لكنه ملك موكل بمهمة محددة وهي إخراج آدم من الجنة لتعمير الأرض، ويرى الإيزيديون الطاووس ملك جدير بالمحبة حيث رفض السجود لغير الله سبحانه وتعالى، ولذا كُلل عنقه بطوق إيزيد الذي ميزه عن غيره من الملائكة…
فمن نراه نحن شيطانا يراه الإيزيديون ملك حارس أدى مهمته على أكمل وجه ويجب تقديسه، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع القصة فلا نستطيع أن ننكر موضوعية المنظور فملاكهم شيطاننا وجميعنا نبحث عن الفضيلة، عن السر، عن الحقيقة، عن اليقين، في عالم فُطم على الاختلاف تسكنه أفلاك تدور في محدوديتها الخاصة، أقسمت ألا تلاقيا…
والآن نعود لمَرجاننا تلك المرأة التي سطرها القدر على أعتاب الألف مأتمة،
تلك الخمرية، الحلوة كريان نبيذي شق أرض قُتلت بيبوسة الغدر المالح…
مَرجان رواية واقعية اجتماعية سُطرت بالفصحى سردًا وحوارًا برعت الكاتبة في سردها فحين تقرأ مَرجان تتذوق حلاوة الكلمة وتهيم في شاعرية المعنى رغم واقعيته الصادمة في الكثير من الأحيان…
مَرجان عروس سريالية بخمار كلاسيكي أنيق
مزجت الكاتبة جيهان الزهيري فيها بين مدرستين، المدرسة الكلاسيكية التي تجلت في دقة العمل وإحكامه وجمالية اللفظ والتصاعد الرشيق في السرد وواقعيته الظاهرة كمرآة تعكس واقع حياتي لعدة أشخاص جمعهم فلك مَرجان تلك الكاتبة ومصممة الحلي ذات الأصول الصعيدية التي تعيش حياة الترف في العاصمة ومن خلال تلك الشخصيات رسمت الكاتبة عدة لوحات مقسمة على عدة فصول كل فصل بروزت فيه ظاهرة حياتية مصرية سلطت الضوء من خلالهم على عدة قضايا اجتماعية كالتحرش، الحجاب، الرأسمالية، الهجرة غير الشرعية، وتوهم البطولة رغم ازدواجية المعايير؛
وحين أتحدث عن الازدواجية وجب أن أنوه عن ازدواجية المعنى في العمل الذي جمع مع المدرسة الكلاسيكية مدرسة أخرى بعيدة تمام البُعد عنها وهي المدرسة السريالية فخلف الخطوط الكلاسيكية المنمقة للوحات جيهان الزهيري تجلت رمزية غامضة نُسجت بخطوط متداخلة تضافرت خلف الرتابة لتشعل ثورة في الخفاء، بزغت منها شمس الحقيقة التي فاقت المعنى الظاهر وحلقت به فوق سماء التوقع، وعلى الرغم من إصرار الكاتبة على الإشارة لشمسها من خلف حجاب إلا أن العمل يحتاج لدراسة متخصصة لعبقرية الرمزية وزخم المعاني بين السطور…
وبالحديث عن الرمزية، فلقد حان موعد رحلتي داخل العمل…
قبل أن أبدأ رحلتي داخل العمل يجب أن أنوه أن تلك هي المرة الأولى التي اقرأ فيها للكاتبة جيهان الزهيري، وقد أسعدني الحظ حين أهدت لي روايتها مَرجان التي وفور أن رأيتها لفت نظري الغلاف تلك المرأة التي شقت الصخر وامتطت موج البحر لتعانق القمر عارية حرة مزقت رداء عقلها الأبيض لتشعر أخيرًا بعد سُبات طويل، محتضنة بأناملها زهرة اللوتس حيث يتجلى الجمال الرباني من باطن الوحل وينبثق نور الروح من قلب ظلمة المشوار…
مَرجان عروس سريالية بخمار كلاسيكي أنيق
أما بعد…
وأثناء جلوسي بجوارها قررت أن أتصفح العمل فوقعت عيناي بداية على الإهداء وجدته يشبه روحها تمام الشبه وكأن تلك المختبئة بداخلها هي من تتحدث وتكتب وكأنها سَنا ساكن بمحارة جسدية، يتجلى في صحبة القلم…
فآثرت الصمت، وأغلقت الرواية على موعد ووعد لاحق بالاجتماع في هدوء بمَرجان؛
والآن إليكم رحلتي بين قوسيّ مَرجان، رحلة بدأت بصدمة صدّرت الحقيقة بين قوسين وانتهت سريعًا تاركة إياي في حيرة جعلتني ألجأ سريعا لمَرجان التي استيقظت للتو في غابة من وحشة ومادة وصك عبودية شرعي أباح جسدها لذاك اللامبالي سوي بلحظات الدنس الحميمي ليجري كل شيء في سرعة ربما من شوق جارية المُعز للعودة لحصنها الطفولي بجسد شائخ وعمر أدماه عبث الأيام، تحيا ميتة بوجهين أحدهما منذوٍ في عتمة الخذلان، والآخر برّاق يختنق بمرارة النفاق وحسد الحاقدين في تيه لا نهائي من البحث عن النفس، الغاية، أو ربما العودة لمجد كان مفعولا…
ارتشفت بعضًا من القهوة، وانتقلت لهاشم المُحلق حديثًا من خلف قضبان أبو زعبل ذلك المتشدق بشعارات التحرر الرنانة صاحب المبدأ فكرًا ونقيضه فعلاً، ذلك الذي يرى الجميع عدا نفسه فهو ليس منافق لكنه وللأسف نتاج موروث متأسلف رغم إيمانه بيساريته!
مرآته أبنته التي كلما عرته كلما أشاح وجهه وعصب عيناه عنها…
لم أحب هاشم ولم أكرهه بل أشفقت عليه فكم من مناضل داخل حلمه وعقله وكم من مفكر انغمس بمعارك الغير هاربا من معركته الخاصة…
مضيت ولم ألتفت فهويت بعالم تحكمه المادة حيث كل شيء قابل للبيع والشراء حتى النفوس، عالم مسجى بعباءة خيوطها من ذهب تُحرك كل شيء فالجميع خادم خاضع لاهث، عدا مَرجان تلك المتمرة بسكون خدّاع يُزلزل عرش عائض ويُشعره أمامها بالدونية والخطر…
مرت الأيام والأحداث فهب نسيم من الشام أزاح ركام المشاعر بعد ركدها وبدأت الحقيقة في التجلي والثوابت في التبدل…
فتُرى ما علاقة اليسارية بالسنية وصلاة الشيعة؟
وما المكروه في كعكات عيد الفصح؟!
وكيف تكون قوامة الغانية؟
وممن يحرس الطاووس مَرجان، وتُرى هل اقتربت قيامتها، أم إنه رابض فوق عنقها ينتظر زهرته ذات الثمان بتلات ليتحد الباطن مع الظاهر ويمزق نور الوحدة نيران الانشقاق؟
وما علاقة بوابات مصر الثمانية باللانهاية، وما علاقتهما وعلاقة مَرجان ونسيم بالبعث؟
أحداث كثيرة وأسرار أكثر تكشفت أمامي بين ضفتي مَرجان – أسطورة وطن بين قوسين –
لن أطيل عليكم فقط سأعترف بإعجابي الشديد بهذا العمل الذي يستحق الاقتناء والقراءة بتمعن شديد ففي عالم جيهان الزهيري لا مكان للصُدف…
وختامًا،
أشكر الكاتبة على هذا العمل الرائع وتلك الهدية القيمة جدًا






